بقايا زمن
07-30-2007, 02:31 PM
توفرت في شخصية الإمام أبي جعفر (عليه السلام) جميع الصفات الكريمة التي تؤهله لزعامة هذه الأمة، وقيادتها الروحية والزمنية، فكل صفة من صفاته ترفعه إلى القمة التي لا يبلغها إلا أفذاذ الناس وعمالقة الدهر، فهو كما قال الشاعر:
من هاشم في ذراها وهي صاعدة***إلـى السماء تميت الناس بالحسد
قــــوم أبى الله إلا أن تكـــون لهم***مكارم الــــدين والــــدنيا بـــلا أمد
لقد كان الإمام العظيم بمواهبه وعبقرياته صورة متميزة من بين صور العظماء والمصلحين، فقد تميز بفضائله النفسية ومآثره الخالدة، وتميز بحسبه الوضاح، وتميز بكل ما يسمو به هذا الإنسان، ومن بين ما تميز به:
إمامته:
وحباه الله بالإمامة، وخصه بالنيابة العامة عن جده الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو أحد خلفائه، وأوصيائه الاثني عشر، الذين جعلهم النبي (صلى الله عليه وآله) سفن النجاة، وأمن العباد، وقرنهم بمحكم التنزيل، ونصبهم أعلاماً لأمته صيانة لها من الفرقة ووقاية لها من الفتن والأزمات.
لقد احتاط النبي (صلى الله عليه وآله) كأشد ما يكون الاحتياط في شأن أمته، وأهاب بها من أن تكون في ذيل قافلة الأمم والشعوب، فقد أراد لها العزة والكرامة، وأراد أن تكون خير أمة أخرجت للناس، فأولى الخلافة والإمامة المزيد من اهتمامه، ونادى بها أكثر مما نادى بأي فرض من الفروض الدينية لأنها القاعدة الصلبة لتطور أمته في مجالاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية، وقد خصها بالأئمة الطاهرين من أهل بيته الذين لم يخضعوا بأي حال من الأحوال لأية نزعة مادية، وإنما آثروا طاعة الله ومصلحة الأمة على كل شيء.
وقد تحدث الإمام الباقر (عليه السلام) عن الإمامة بصورة موضوعية وشاملة بشكل مستفيض، أما إمامته فقد دلت عليها النصوص العامة والخاصة، والتي كان منها نص الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على إمامته، وإمامة الأئمة الطاهرين من بعده وغير ذلك من النصوص.
حلمه:
أما الحلم فقد كان من أبرز صفات الإمام أبي جعفر (عليه السلام) فقد أجمع المؤرخون على أنه لم يسئ إلى من ظلمه واعتدى عليه، وإنما كان يغدق عليه بالبر والمعروف، ويقابله بالصفح والإحسان، وقد روى المؤرخون صوراً كثيرة من عظيم حلمه، كان منها:
1- أن رجلاً كتابياً هاجم الإمام، واعتدى عليه، وخاطبه بمر القول: (أنت بقر).
فلطف به الإمام، وقابله ببسمات فياضة بالبشر قائلا:
(لا.. أنا باقر..).
وراح الكتابي يهاجم الإمام قائلاً:
(أنت ابن الطباخة..).
فتبسم الإمام، ولم يثره هذا الاعتداء وقال له:
(ذلك حرفتها..).
ولم ينته الكتابي عن غيه، وإنما راح يهاجم الإمام قائلاً:
(أنت ابن السوداء الزغنة الندية..).
ولم يغضب الإمام، وإنما قابله باللطف قائلاً:
(إن كنت صدقت غفر الله لك، وإن كنت كذبت غفر الله لك..).
وبهت الكتابي، وبهر من معالي أخلاق الإمام التي تضارع أخلاق الأنبياء، فأعلن إسلامه ورجع إلى حظيرة الحق.
2- ومن تلك الصور الرائعة المدهشة من حلمه أن شامياً كان يختلف إلى مجلسه، ويستمع إلى محاضراته، وقد أعجب بها، فأقبل يشتد نحو الإمام وقال له:
(يا محمد إنما أخشى مجلسك لا حباً مني إليك، ولا أقول: إن أحداً أبغض إلي منكم أهل البيت، واعلم أن طاعة الله، وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم، ولكني أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحسن لفظ، فإنما اختلف إليك لحسن أدبك!!).
ونظر إليه الإمام بعطف وحنان، وأخذ يغدق عليه ببره ومعروفه حتى استقام الرجل وتبين له الحق، فتبدلت حالته من البغض إلى الولاء للإمام، وظل ملازماً له حتى حضرته الوفاة فأوصى أن يصلي عليه.
وحاكة الإمام بهذه الأخلاق الرفيعة جده الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي استطاع بسمو أخلاقه أن يؤلف ما بين القلوب، ويوحد ما بين المشاعر والعواطف ويجمع الناس على كلمة التوحيد بعدما كانوا فرقاً وأحزاباً (كل حزب بما لديهم فرحون).
الصبر:
لقد كان الصبر من الصفات الذاتية للأئمة الطاهرين من أهل البيت (عليهم السلام) فقد صبروا على مكاره الدهر، ونوائب الأيام، وصبروا على تجرع الخطوب التي تعجز عنها الكائنات، فقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) على صعيد كربلاء يستقبل المحن الشاقة التي تذهل كل كائن حي، وهو يقول: (صبراً على قضائك يا رب لا معبود سواك)، وصبر الإمام الباقر (عليه السلام) كآبائه على تحمل المحن والخطوب، وقد كان منها ما يلي:
1- انتقاص السلطة لآبائه الطاهرين، وإعلان سبهم على المنابر والمآذن، وهو (عليه السلام) يسمع ذلك، ولا يتمكن أن ينبس ببنت شفة فصبر على كظم الغيظ، وأوكل الأمر إلى الله الحاكم بين عباده بالحق.
2- ومن يبن المحن الشاقة التي صبر عليها التنكيل الهائل بشيعة أهل البيت (عليهم السلام) وقتلهم تحت كل حجر ومدر بأيدي الجلادين من عملاء السلطة الأموية، وهو لا يتمكن أن يتحرك ساكناً، قد فرضت عليه السلطة الرقابة الشديدة، وأحاطته بمباحثها، ولم تستجب لأي طلب له في شأن شيعته.
3- وروى المؤرخون عن عظيم صبره أنه كان جالساً مع أصحابه إذ سمع صيحة عالية في داره، فأسرع إليه بعض مواليه فأسره فقال (عليه السلام):
(الحمد لله على ما أعطى، وله ما أخذ انههم عن البكاء، وخذوا في جهازه، واطلبوا السكينة، وقولوا لها: لا ضير عليك أنت حرة لوجه الله لما تداخلك من الروع..).
ورجع إلى حديثه، فتهيب القوم سؤاله، ثم أقبل غلام فقال له: قد جهزناه، فأمر أصحابه بالقيام معه للصلاة على ولده ودفنه، وأخبر أصحابه بشأنه فقال لهم: إنه قد سقط من جارية كانت تحمله فمات.
تدول الدول وتفنى الحضارات، وهذه الأخلاق العلوية أحق بالبقاء، وأجدر بالخلود من كل شيء لأنها تمثل شرف الإنسانية وقيمتها الكريمة.
4- ويقول المؤرخون: إنه كان للإمام ولد وكان أثيراً عليه فمرض فخشي عليه الإمام لشدة حبه له، وتوفي الولد فسكن صبر الإمام، فقيل له: خشينا عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأجاب بالاطمئنان والرضا بقضاء الله قائلاً:
(إنا ندعو الله فيما يحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما يحب..)
لقد تسلح الإمام بالصبر وقابل نوائب الدنيا ووارث الدهر بإرادة صلبة، وإيمان راسخ، وتحمل الخطوب في غير ضجر ولا سأم محتسباً في ذلك الأجر عند الله.
تكريمه للفقراء:
ومن معالي أخلاقه أنه كان يبجل الفقراء، ويرفع من شأنهم لئلا يرى عليهم ذل الحاجة، ويقول المؤرخون: إنه عهد لأهله إذا قصدهم سائل أن لا يقولوا له: يا سائل خذ هذا، وإنما يقولون له: يا عبد الله بورك فيك وقال: سموهم بأحسن أسمائهم
إنها أخلاق النبوة التي جاءت لتسمو بالإنسان، وتغذيه بالعزة والكرامة وتنفي عنه الخنوع والذل.
عتقه للعبيد:
وكان الإمام العظيم شغوفاً بعتق العبيد، وإنقاذهم من رق العبودية، فقد أعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكاً وكان عنده ستون مملوكاً فأعتق ثلثهم عند موته.
صلته لأصحابه:
وكان أحب شيء للإمام في هذه الدنيا صلته لأخوانه فكان لا يمل من صلتهم وصلة قاصديه وراجيه ومؤمليه وقد عهد لابنه الإمام الصادق أن ينفق من بعده على أصحابه وتلاميذه ليتفرغوا إلى نشر العلم وإذاعته بين الناس.
صدقاته على فقراء المدينة:
وكان الإمام (عليه السلام) كثير البر والمعروف على فقراء يثرب، وقد أحصيت صدقاته عليهم فبلغت ثمانية آلاف دينار وكان يتصدق عليهم في كل يوم جمعة بدينار ويقول: (الصدقة يوم الجمعة تضاعف الفضل على غيره من الأيام).
كرمه وسخاؤه:
أما الكرم فهو من العناصر الأولية لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقد بسطوا أيديهم بسخاء نادر إلى الفقراء والسائلين، وفيهم يقول الشاعر:
لو كان يوجد عرف مجد قبلهم***لوجـــــــدته منهــم على أميال
إن جئتهم أبصـرت بين بيوتهم***كـــــــرماً يقيك مواقف التسآل
نـــــــور النبوة والمكارم فيهم***متوقد في الشيب والأطفال
ويقول فيهم الكميت:
والغــــــيوث الليوث إن أمحل***الناس فمأوى حواضن الأيتام
ويقول الكميت:
إذا أنـــشأت منهم بأرض سحابة***فلا النبت محظور ولا البرق خلب
وما أبدع ما قيل مما ينطبق عليهم:
كـــــــرموا وجادوا قبيلهم من قبلهم***وبنـــــــوهم مــــــن بعدهم كرماء
فالناس أرض في السماحة والندى***وهـــــــم إذا عـــــــد الكـرام سماء
لقد فطر الإمام على حب الخير وصلة الناس وإدخال السرور عليهم يقول ابن الصباغ: (كان محمد بن علي بن الحسين مع ما هو عليه من العلم والفضل والرياسة والإمام ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور بالكرم في الكافة معروف بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله).
ويقول المؤرخون: إنه كان أقل أهل بيته مالاً وأعظمهم مؤونة. ومع ذلك فكان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء والمحرومين، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه ومن بينها:
1- حدث كل من عبد الله بن عبيد وعمرو بن دينار قالا: ما لقينا أبا جعفر محمد بن علي إلا وحمل إلينا النفقة والكسوة، ويقول: هذه معدة لكم قبل أن تلقوني.
2- روى سليمان بن قرم قال: كان أبو جعفر يجيزنا الخمسمائة درهم إلى الستمائة درهم إلى الألف، وكان لا يمل من صلة الأخوان وقاصديه وراجيه.
3- قال الحسن بن كثير: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن علي الحاجة وجفاء الأخوان فتأثر (عليه السلام) وقال: بئس الأخ يرعاك غنياً، ويقطعك فقيراً، ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم، وقال: استنفق هذه فإذا نفذت فاعلمني..
4- وكان (عليه السلام) يحبو قوماً يغشون مجلسه من المائة إلى الألف، وكان يحب مجالستهم منهم عمرو بن دينار، وعبد الله بن عبيد، وكان يحمل إليهم الصلة والكسوة، ويقول: هيأناها لكم من أول السنة .
5- روت مولاته سلمى قالت: كان يدخل عليه أخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويلبسهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدراهم وقد عذلته سلمى عن ذلك فقال لها: يا سلمى ما يؤمل في الدنيا بعد المعارف والأخوان.. وكان يقول: (ما حسنت الدنيا إلا صلة الأخوان والمعارف.
هذه بعض البوادر التي أثرت عن كرمه وسخائه، وهي تكشف عن أن الإحسان والبر كانا من عناصره ومن مقوماته.
عبادته:
كان الإمام أبو جعفر (عليه السلام) من أئمة المتقين في الإسلام، فقد عرف الله معرفة استوعبت دخائل نفسه، فأقبل على ربه بقلب منيب، وأخلص في طاعته كأعظم ما يكون الإخلاص، أما مظاهر عبادته.
أ) خشوعه في صلاته:
وروى المؤرخون أنه إذا أقبل على الصلاة اصفر لونه خوفاً من الله وخشية منه، فقد عرف عظمة الله تعالى، خالق الكون وواهب الحياة فعبده عبادة المتقين والمنيبين.
ب) كثرة صلاته:
وكان كثير الصلاة فكان - فيما يقول الرواة - يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة ولم تشغله شؤونه العلمية، ومرجعيته العامة للأمة عن كثرة الصلاة، فقد كانت أعز شيء عنده لأنها الصلة بينه وبين الله.
ج) دعاؤه في سجوده:
جاء في الحديث أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، فكان الإمام (عليه السلام) في سجوده يتجه بقلبه وعواطفه نحو الله ويناجيه بانقطاع وإخلاص، وقد أثرت عنه بعض الأدعية وهذه بعضها.
1- ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: كنت أمهد لأبي فراشه فانتظره حتى يأتي، فإذا آوى إلى فراشه ونام قمت إلى فراشي، وقد أبطأ علي ذات ليلة فأتيت المسجد في طلبه وذلك بعدما هدأ الناس، فإذا هو في المسجد ساجد، وليس في المسجد غيره فسمعت حنينه وهو يقول:
(سبحانك الله، أنت ربي حقاً حقاً، سجدت لك يا ربي تعبداً ورقاً، اللهم إن عملي ضعيف فضاعفه لي.. اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، وتب عليّ إنك التواب الرحيم..) .
2- ما رواه أبو عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر يقول: وهو ساجد.
(أسألك بحق حبيبك محمد (صلى الله عليه وآله) إلا بدلت سيآتي حسنات، وحاسبني حساباً يسيراً).
ثم قال: في السجدة الثانية.
(أسألك بحق حبيبك محمد (صلى الله عليه وآله) إلا ما كفيتني مؤونة الدنيا، وكل هول دون الجنة).
ثم قال في الثالثة:
(أسألك بحق حبيبك محمد لما غفرت الكثير من ذنوبي والقليل، وقبلت مني العمل اليسير).
ثم قال في الرابعة:
(أسألك بحق حبيبك محمد (صلى الله عليه وآله) لما أدخلتني الجنة، وجعلتني من سكانها، ولما نجيتني من سفعات النار برحمتك، وصلى الله على محمد وآله..).
وكشفت هذه الأدعية عن شدة تعلقه بالله، وعظيم إنابته إليه، وتمسكه بطاعته.
ج) دعاؤه في قنوته:
وأثرت عنه بعض الأدعية التي كان يدعو بها في قنوته وهي:
1- (اللهم إن عدوي قد استسن في غلوانه، واستمر في عدوانه، وأمن بما شمله من الحلم عاقبة جرأته عليك، وتمرد في مبانيك، ولك اللهم لحظات سخط بياتاً وهم نائمون، ونهاراً وهم غافلون، وجهرة وهم يلعبون، وبغتة وهم ساهون، وإن الخناق قد اشتد، والوثاق قد احتد، والقلوب قد محيت، والعقول قد تنكرت، والصبر قد أودى، وكادت تنقطع حبائله، فإنك لبالمرصاد من الظالم، ومشاهدة من الكاظم، لا يعجلك فوت درك، ولا يعجزك احتجاز محتجز، وإنما مهل استثباتاً، وحجتك على الأحوال البالغة الدامغة، وبعبيدك ضعف البشرية وعجز الإنسانية، ولك سلطان الإلهية وملكة البرية، وبطشة الأناة، وعقوبة التأبيد.
اللهم إن كان في المصابرة لحرارة المعان من الظالمين، وكمد من يشاهد من المبدلين لك، ومثوبة منك فهب لي مزيداً من التأييد، وعوناً من التسديد إلى حين نفوذ مشيئتك فيمن أسعدته وأشقيته من بريتك، وامنن علي بالتسليم لمحتومات أقضيتك، والتجرع لصادرات أقدارك، وهب لي محبة لما أحببت في متقدم ومتأخر ومتعجل ومتأجل، والإيثار لما اخترت في مستقرب ومستبعد، ولا تخلنا مع ذلك من عواطف رحمتك.. وحسن كلائتك..).
لا أكاد أعرف وثيقة سياسية حفلت بتحديد الأوضاع الراهنة في البلاد في ذلك العصر، كهذا الدعاء الذي تحدث فيه الإمام عن الأزمات السياسية التي عاناها المسلمون أيام الحكم الأموي المعاصر له خصوصاً عهد الطاغية عبد الملك بن مروان الذي جهد على إذلال المسلمين، وإرغامهم على ما يكرهون، وقد سلط عليهم الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي الذي عاث في دينهم ودنياهم، وسعى في الأرض فساداً، فلم يترك لوناً من ألوان الظلم إلا صبه على المسلمين حتى طاشت الأحلام، وبلغت القلوب الحناجر، وأودى الصبر وانقطعت حبائله، والإمام يطلب من الله أن ينقذ المسلمين من محنتهم، وينزل عقابه الصارم بالمردة الظالمين.
2- كان (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء في قنوته (بمنك وكرمك يا من يعلم هواجس السرائر ومكامن الضمائر، وحقائق الخواطر، يا من هو لكل غيب حاضر، ولكل منس ذاكر، وعلى كل شيء قادر، وإلى الكل ناظر، بعد المهل وقرب الأجل، وضعف العمل، وأراب الأمل.
وأنت يا الله الآخر كما أنت الأول مبيد ما أنشأت، ومصيرهم إلى البلى، وتقلدهم أعمالهم، ومحملها ظهورهم إلى وقت نشورهم من بعثة قبورهم عند نفخة الصور، وانشقاق السماء بالنور، والخروج بالمنشر إلى ساحة المحشر، لا ترتد إليهم أبصارهم وأفئدتهم هواء، متراطمين في غمة مما أسلفوا، ومطالبين بما احتقبوا، ومحاسبين هناك على ما ارتكبوا، الصحائف في الأعناق منشورة، والأوزار على الظهور مارورة، لا انفكاك ولا مناص ولا محيص عن القصاص قد أقحمتهم الحجة وحلوا في حيرة المحجة وهمس الضجة، معدول بهم عن المحجة، إلا من سبقت له من الله الحسنى فنجا من هول المشهد وعظيم المورد، ولم يكن ممن في الدنيا تمرد، ولا على أولياء الله تعند، ولهم استعبد، وعنهم بحقوقهم تفرد.
اللهم: فإن القلوب قد بلغت الحناجر، والنفوس قد علت التراقي والأعمار قد نفذت بالانتظار لا عن نقص استبصار، ولا عن اتهام مقدار، ولكن لما تعاني من ركوب معاصيك، والخلاف عليك في أوامرك ونهيك، والتلعب بأوليائك، ومظاهرة أعدائك.
اللهم: فقرب ما قد قرب، وأورد ما قد دنى، وحقق ظنون الموقنين وبلغ المؤمنين تأميلهم من إقامة حقك ونصر دينك وإظهار حجتك..).
وحفل هذا الداء الشريف بإعطاء صورة عن سعة علم الله، وإحاطته بكل شيء الظاهر والخفي كما حفل بذكر المعاد، وحشر الناس جميعاً يوم القيامة لعرضهم للحساب أمام الله، وهم يحملون على ظهورهم وزر ما عملوه في دار الدنيا، وإنهم مطالبون بما اقترفوه، ومحاسبون على ما عملوه، ولا ينجو من أهوال ذلك المشهد الرهيب إلا من سبقت له من الله الحسنى، ولم يكن من المتمردين في دار الدنيا، ولا من المستعبدين لعباد الله، وفيه تعريض بحكام الأمويين الذين اتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، وإن القلوب قد بلغت الحناجر، من ظلمهم وجورهم حسبما يقول (عليه السلام).
حجه:
وكان الإمام أبو جعفر (عليه السلام) إذا حج البيت الحرام انقطع إلى الله وأناب إليه وتظهر عليه آثار الخشوع والطاعة، وقد روى مولاه أفلح قال: حججت مع أبي جعفر محمد الباقر فلما دخل المسجد رفع صوته بالبكاء فقلت له:
(بأبي أنت وأمي إن الناس ينتظرونك فلو خفضت صوتك قليلاً).
فلم يعن به الإمام وراح يقول له:
(ويحك يا أفلح إني أرفع صوتي بالبكاء لعل الله ينظر إلي برحمة فأفوز بها غداً..).
ثم إنه طاف بالبيت، وجاء حتى ركع خلف المقام، فلما فرغ وإذا موضع سجوده قد ابتل من دموع عينيه وحج (عليه السلام) مرة وقد احتف به الحجاج، وازدحموا عليه وهم يستفتونه عن مناسكهم ويسألونه عن أمور دينهم، والإمام يجيبهم، وبهر الناس من سعة علمه، وأخذ بعضهم يسأل بعضاً عنه فانبرى إليهم شخص من أصحابه فعرفه لهم قائلاً:
(إلا أن هذا باقر علم الرسل، وهذا مبين السبل، وهذا خير من رسخ في أصلاب أصحاب السفينة، هذا ابن فاطمة الغراء العذراء الزهراء، هذا بقية الله في أرضه، هذا ناموس الدهر، هذا ابن محمد وخديجة وعلي وفاطمة، هذا منار الدين القائمة..).
ولم تذكر المصادر التي بأيدينا عدد حجه إلى بيت الله الحرام، فقد أهملت ذلك.
مناجاته مع الله:
كان الإمام (عليه السلام) يناجي الله تعالى في غلس الليل البهيم، وكان مما قاله في مناجاته:
(أمرتني فلم أئتمر، وزجرتني فلم أنزجر، ها أنذا عبدك بين يديك..).
ذكره لله:
ويقول المؤرخون: إنه كان دائم الذكر لله، وكان لسانه يلهج بذكر الله في أكثر أوقاته، فكان يمشي ويذكر الله، ويحدث القوم، وما يشغله ذلك عن ذكره تعالى، وكان يجمع ولده ويأمرهم بذكر الله حتى تطلع الشمس كما كان يأمرهم بقراءة القرآن، ومن لا يقرأ منهم أمره بذكر الله.
زهده في الدنيا:
وزهد الإمام أبو جعفر (عليه السلام) في جميع مباهج الحياة وأعرض عن زينتها فلم يتخذ الرياش في داره، وإنما كان يفرش في مجلسه حصيراً.
لقد نظر إلى الحياة بعمق وتبصر في جميع شؤونها فزهد في ملاذها، واتجه نحو الله تعالى بقلب منيب، يقول جابر بن يزيد الجعفي: قال لي محمد بن علي:
(يا جابر إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب..).
فانبرى إليه جابر قائلاً:
(ما حزنك، وما شغل قلبك؟).
فأجابه (عليه السلام) بما أحزنه وزهده في هذه الحياة قائلاً:
(يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله عز وجل شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون، هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها..).
وأثرت عنه كلمات كثيرة في الحث على الزهد، والإقبال على الله، والتحذير من غرور الدنيا، وآثامها ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مظاهر شخصيته المشرقة.
نسألكم الدعاء
عووواااامي مخلص
من هاشم في ذراها وهي صاعدة***إلـى السماء تميت الناس بالحسد
قــــوم أبى الله إلا أن تكـــون لهم***مكارم الــــدين والــــدنيا بـــلا أمد
لقد كان الإمام العظيم بمواهبه وعبقرياته صورة متميزة من بين صور العظماء والمصلحين، فقد تميز بفضائله النفسية ومآثره الخالدة، وتميز بحسبه الوضاح، وتميز بكل ما يسمو به هذا الإنسان، ومن بين ما تميز به:
إمامته:
وحباه الله بالإمامة، وخصه بالنيابة العامة عن جده الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو أحد خلفائه، وأوصيائه الاثني عشر، الذين جعلهم النبي (صلى الله عليه وآله) سفن النجاة، وأمن العباد، وقرنهم بمحكم التنزيل، ونصبهم أعلاماً لأمته صيانة لها من الفرقة ووقاية لها من الفتن والأزمات.
لقد احتاط النبي (صلى الله عليه وآله) كأشد ما يكون الاحتياط في شأن أمته، وأهاب بها من أن تكون في ذيل قافلة الأمم والشعوب، فقد أراد لها العزة والكرامة، وأراد أن تكون خير أمة أخرجت للناس، فأولى الخلافة والإمامة المزيد من اهتمامه، ونادى بها أكثر مما نادى بأي فرض من الفروض الدينية لأنها القاعدة الصلبة لتطور أمته في مجالاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية، وقد خصها بالأئمة الطاهرين من أهل بيته الذين لم يخضعوا بأي حال من الأحوال لأية نزعة مادية، وإنما آثروا طاعة الله ومصلحة الأمة على كل شيء.
وقد تحدث الإمام الباقر (عليه السلام) عن الإمامة بصورة موضوعية وشاملة بشكل مستفيض، أما إمامته فقد دلت عليها النصوص العامة والخاصة، والتي كان منها نص الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على إمامته، وإمامة الأئمة الطاهرين من بعده وغير ذلك من النصوص.
حلمه:
أما الحلم فقد كان من أبرز صفات الإمام أبي جعفر (عليه السلام) فقد أجمع المؤرخون على أنه لم يسئ إلى من ظلمه واعتدى عليه، وإنما كان يغدق عليه بالبر والمعروف، ويقابله بالصفح والإحسان، وقد روى المؤرخون صوراً كثيرة من عظيم حلمه، كان منها:
1- أن رجلاً كتابياً هاجم الإمام، واعتدى عليه، وخاطبه بمر القول: (أنت بقر).
فلطف به الإمام، وقابله ببسمات فياضة بالبشر قائلا:
(لا.. أنا باقر..).
وراح الكتابي يهاجم الإمام قائلاً:
(أنت ابن الطباخة..).
فتبسم الإمام، ولم يثره هذا الاعتداء وقال له:
(ذلك حرفتها..).
ولم ينته الكتابي عن غيه، وإنما راح يهاجم الإمام قائلاً:
(أنت ابن السوداء الزغنة الندية..).
ولم يغضب الإمام، وإنما قابله باللطف قائلاً:
(إن كنت صدقت غفر الله لك، وإن كنت كذبت غفر الله لك..).
وبهت الكتابي، وبهر من معالي أخلاق الإمام التي تضارع أخلاق الأنبياء، فأعلن إسلامه ورجع إلى حظيرة الحق.
2- ومن تلك الصور الرائعة المدهشة من حلمه أن شامياً كان يختلف إلى مجلسه، ويستمع إلى محاضراته، وقد أعجب بها، فأقبل يشتد نحو الإمام وقال له:
(يا محمد إنما أخشى مجلسك لا حباً مني إليك، ولا أقول: إن أحداً أبغض إلي منكم أهل البيت، واعلم أن طاعة الله، وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم، ولكني أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحسن لفظ، فإنما اختلف إليك لحسن أدبك!!).
ونظر إليه الإمام بعطف وحنان، وأخذ يغدق عليه ببره ومعروفه حتى استقام الرجل وتبين له الحق، فتبدلت حالته من البغض إلى الولاء للإمام، وظل ملازماً له حتى حضرته الوفاة فأوصى أن يصلي عليه.
وحاكة الإمام بهذه الأخلاق الرفيعة جده الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي استطاع بسمو أخلاقه أن يؤلف ما بين القلوب، ويوحد ما بين المشاعر والعواطف ويجمع الناس على كلمة التوحيد بعدما كانوا فرقاً وأحزاباً (كل حزب بما لديهم فرحون).
الصبر:
لقد كان الصبر من الصفات الذاتية للأئمة الطاهرين من أهل البيت (عليهم السلام) فقد صبروا على مكاره الدهر، ونوائب الأيام، وصبروا على تجرع الخطوب التي تعجز عنها الكائنات، فقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) على صعيد كربلاء يستقبل المحن الشاقة التي تذهل كل كائن حي، وهو يقول: (صبراً على قضائك يا رب لا معبود سواك)، وصبر الإمام الباقر (عليه السلام) كآبائه على تحمل المحن والخطوب، وقد كان منها ما يلي:
1- انتقاص السلطة لآبائه الطاهرين، وإعلان سبهم على المنابر والمآذن، وهو (عليه السلام) يسمع ذلك، ولا يتمكن أن ينبس ببنت شفة فصبر على كظم الغيظ، وأوكل الأمر إلى الله الحاكم بين عباده بالحق.
2- ومن يبن المحن الشاقة التي صبر عليها التنكيل الهائل بشيعة أهل البيت (عليهم السلام) وقتلهم تحت كل حجر ومدر بأيدي الجلادين من عملاء السلطة الأموية، وهو لا يتمكن أن يتحرك ساكناً، قد فرضت عليه السلطة الرقابة الشديدة، وأحاطته بمباحثها، ولم تستجب لأي طلب له في شأن شيعته.
3- وروى المؤرخون عن عظيم صبره أنه كان جالساً مع أصحابه إذ سمع صيحة عالية في داره، فأسرع إليه بعض مواليه فأسره فقال (عليه السلام):
(الحمد لله على ما أعطى، وله ما أخذ انههم عن البكاء، وخذوا في جهازه، واطلبوا السكينة، وقولوا لها: لا ضير عليك أنت حرة لوجه الله لما تداخلك من الروع..).
ورجع إلى حديثه، فتهيب القوم سؤاله، ثم أقبل غلام فقال له: قد جهزناه، فأمر أصحابه بالقيام معه للصلاة على ولده ودفنه، وأخبر أصحابه بشأنه فقال لهم: إنه قد سقط من جارية كانت تحمله فمات.
تدول الدول وتفنى الحضارات، وهذه الأخلاق العلوية أحق بالبقاء، وأجدر بالخلود من كل شيء لأنها تمثل شرف الإنسانية وقيمتها الكريمة.
4- ويقول المؤرخون: إنه كان للإمام ولد وكان أثيراً عليه فمرض فخشي عليه الإمام لشدة حبه له، وتوفي الولد فسكن صبر الإمام، فقيل له: خشينا عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأجاب بالاطمئنان والرضا بقضاء الله قائلاً:
(إنا ندعو الله فيما يحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما يحب..)
لقد تسلح الإمام بالصبر وقابل نوائب الدنيا ووارث الدهر بإرادة صلبة، وإيمان راسخ، وتحمل الخطوب في غير ضجر ولا سأم محتسباً في ذلك الأجر عند الله.
تكريمه للفقراء:
ومن معالي أخلاقه أنه كان يبجل الفقراء، ويرفع من شأنهم لئلا يرى عليهم ذل الحاجة، ويقول المؤرخون: إنه عهد لأهله إذا قصدهم سائل أن لا يقولوا له: يا سائل خذ هذا، وإنما يقولون له: يا عبد الله بورك فيك وقال: سموهم بأحسن أسمائهم
إنها أخلاق النبوة التي جاءت لتسمو بالإنسان، وتغذيه بالعزة والكرامة وتنفي عنه الخنوع والذل.
عتقه للعبيد:
وكان الإمام العظيم شغوفاً بعتق العبيد، وإنقاذهم من رق العبودية، فقد أعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكاً وكان عنده ستون مملوكاً فأعتق ثلثهم عند موته.
صلته لأصحابه:
وكان أحب شيء للإمام في هذه الدنيا صلته لأخوانه فكان لا يمل من صلتهم وصلة قاصديه وراجيه ومؤمليه وقد عهد لابنه الإمام الصادق أن ينفق من بعده على أصحابه وتلاميذه ليتفرغوا إلى نشر العلم وإذاعته بين الناس.
صدقاته على فقراء المدينة:
وكان الإمام (عليه السلام) كثير البر والمعروف على فقراء يثرب، وقد أحصيت صدقاته عليهم فبلغت ثمانية آلاف دينار وكان يتصدق عليهم في كل يوم جمعة بدينار ويقول: (الصدقة يوم الجمعة تضاعف الفضل على غيره من الأيام).
كرمه وسخاؤه:
أما الكرم فهو من العناصر الأولية لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقد بسطوا أيديهم بسخاء نادر إلى الفقراء والسائلين، وفيهم يقول الشاعر:
لو كان يوجد عرف مجد قبلهم***لوجـــــــدته منهــم على أميال
إن جئتهم أبصـرت بين بيوتهم***كـــــــرماً يقيك مواقف التسآل
نـــــــور النبوة والمكارم فيهم***متوقد في الشيب والأطفال
ويقول فيهم الكميت:
والغــــــيوث الليوث إن أمحل***الناس فمأوى حواضن الأيتام
ويقول الكميت:
إذا أنـــشأت منهم بأرض سحابة***فلا النبت محظور ولا البرق خلب
وما أبدع ما قيل مما ينطبق عليهم:
كـــــــرموا وجادوا قبيلهم من قبلهم***وبنـــــــوهم مــــــن بعدهم كرماء
فالناس أرض في السماحة والندى***وهـــــــم إذا عـــــــد الكـرام سماء
لقد فطر الإمام على حب الخير وصلة الناس وإدخال السرور عليهم يقول ابن الصباغ: (كان محمد بن علي بن الحسين مع ما هو عليه من العلم والفضل والرياسة والإمام ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور بالكرم في الكافة معروف بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله).
ويقول المؤرخون: إنه كان أقل أهل بيته مالاً وأعظمهم مؤونة. ومع ذلك فكان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء والمحرومين، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه ومن بينها:
1- حدث كل من عبد الله بن عبيد وعمرو بن دينار قالا: ما لقينا أبا جعفر محمد بن علي إلا وحمل إلينا النفقة والكسوة، ويقول: هذه معدة لكم قبل أن تلقوني.
2- روى سليمان بن قرم قال: كان أبو جعفر يجيزنا الخمسمائة درهم إلى الستمائة درهم إلى الألف، وكان لا يمل من صلة الأخوان وقاصديه وراجيه.
3- قال الحسن بن كثير: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن علي الحاجة وجفاء الأخوان فتأثر (عليه السلام) وقال: بئس الأخ يرعاك غنياً، ويقطعك فقيراً، ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم، وقال: استنفق هذه فإذا نفذت فاعلمني..
4- وكان (عليه السلام) يحبو قوماً يغشون مجلسه من المائة إلى الألف، وكان يحب مجالستهم منهم عمرو بن دينار، وعبد الله بن عبيد، وكان يحمل إليهم الصلة والكسوة، ويقول: هيأناها لكم من أول السنة .
5- روت مولاته سلمى قالت: كان يدخل عليه أخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويلبسهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدراهم وقد عذلته سلمى عن ذلك فقال لها: يا سلمى ما يؤمل في الدنيا بعد المعارف والأخوان.. وكان يقول: (ما حسنت الدنيا إلا صلة الأخوان والمعارف.
هذه بعض البوادر التي أثرت عن كرمه وسخائه، وهي تكشف عن أن الإحسان والبر كانا من عناصره ومن مقوماته.
عبادته:
كان الإمام أبو جعفر (عليه السلام) من أئمة المتقين في الإسلام، فقد عرف الله معرفة استوعبت دخائل نفسه، فأقبل على ربه بقلب منيب، وأخلص في طاعته كأعظم ما يكون الإخلاص، أما مظاهر عبادته.
أ) خشوعه في صلاته:
وروى المؤرخون أنه إذا أقبل على الصلاة اصفر لونه خوفاً من الله وخشية منه، فقد عرف عظمة الله تعالى، خالق الكون وواهب الحياة فعبده عبادة المتقين والمنيبين.
ب) كثرة صلاته:
وكان كثير الصلاة فكان - فيما يقول الرواة - يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة ولم تشغله شؤونه العلمية، ومرجعيته العامة للأمة عن كثرة الصلاة، فقد كانت أعز شيء عنده لأنها الصلة بينه وبين الله.
ج) دعاؤه في سجوده:
جاء في الحديث أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، فكان الإمام (عليه السلام) في سجوده يتجه بقلبه وعواطفه نحو الله ويناجيه بانقطاع وإخلاص، وقد أثرت عنه بعض الأدعية وهذه بعضها.
1- ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: كنت أمهد لأبي فراشه فانتظره حتى يأتي، فإذا آوى إلى فراشه ونام قمت إلى فراشي، وقد أبطأ علي ذات ليلة فأتيت المسجد في طلبه وذلك بعدما هدأ الناس، فإذا هو في المسجد ساجد، وليس في المسجد غيره فسمعت حنينه وهو يقول:
(سبحانك الله، أنت ربي حقاً حقاً، سجدت لك يا ربي تعبداً ورقاً، اللهم إن عملي ضعيف فضاعفه لي.. اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، وتب عليّ إنك التواب الرحيم..) .
2- ما رواه أبو عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر يقول: وهو ساجد.
(أسألك بحق حبيبك محمد (صلى الله عليه وآله) إلا بدلت سيآتي حسنات، وحاسبني حساباً يسيراً).
ثم قال: في السجدة الثانية.
(أسألك بحق حبيبك محمد (صلى الله عليه وآله) إلا ما كفيتني مؤونة الدنيا، وكل هول دون الجنة).
ثم قال في الثالثة:
(أسألك بحق حبيبك محمد لما غفرت الكثير من ذنوبي والقليل، وقبلت مني العمل اليسير).
ثم قال في الرابعة:
(أسألك بحق حبيبك محمد (صلى الله عليه وآله) لما أدخلتني الجنة، وجعلتني من سكانها، ولما نجيتني من سفعات النار برحمتك، وصلى الله على محمد وآله..).
وكشفت هذه الأدعية عن شدة تعلقه بالله، وعظيم إنابته إليه، وتمسكه بطاعته.
ج) دعاؤه في قنوته:
وأثرت عنه بعض الأدعية التي كان يدعو بها في قنوته وهي:
1- (اللهم إن عدوي قد استسن في غلوانه، واستمر في عدوانه، وأمن بما شمله من الحلم عاقبة جرأته عليك، وتمرد في مبانيك، ولك اللهم لحظات سخط بياتاً وهم نائمون، ونهاراً وهم غافلون، وجهرة وهم يلعبون، وبغتة وهم ساهون، وإن الخناق قد اشتد، والوثاق قد احتد، والقلوب قد محيت، والعقول قد تنكرت، والصبر قد أودى، وكادت تنقطع حبائله، فإنك لبالمرصاد من الظالم، ومشاهدة من الكاظم، لا يعجلك فوت درك، ولا يعجزك احتجاز محتجز، وإنما مهل استثباتاً، وحجتك على الأحوال البالغة الدامغة، وبعبيدك ضعف البشرية وعجز الإنسانية، ولك سلطان الإلهية وملكة البرية، وبطشة الأناة، وعقوبة التأبيد.
اللهم إن كان في المصابرة لحرارة المعان من الظالمين، وكمد من يشاهد من المبدلين لك، ومثوبة منك فهب لي مزيداً من التأييد، وعوناً من التسديد إلى حين نفوذ مشيئتك فيمن أسعدته وأشقيته من بريتك، وامنن علي بالتسليم لمحتومات أقضيتك، والتجرع لصادرات أقدارك، وهب لي محبة لما أحببت في متقدم ومتأخر ومتعجل ومتأجل، والإيثار لما اخترت في مستقرب ومستبعد، ولا تخلنا مع ذلك من عواطف رحمتك.. وحسن كلائتك..).
لا أكاد أعرف وثيقة سياسية حفلت بتحديد الأوضاع الراهنة في البلاد في ذلك العصر، كهذا الدعاء الذي تحدث فيه الإمام عن الأزمات السياسية التي عاناها المسلمون أيام الحكم الأموي المعاصر له خصوصاً عهد الطاغية عبد الملك بن مروان الذي جهد على إذلال المسلمين، وإرغامهم على ما يكرهون، وقد سلط عليهم الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي الذي عاث في دينهم ودنياهم، وسعى في الأرض فساداً، فلم يترك لوناً من ألوان الظلم إلا صبه على المسلمين حتى طاشت الأحلام، وبلغت القلوب الحناجر، وأودى الصبر وانقطعت حبائله، والإمام يطلب من الله أن ينقذ المسلمين من محنتهم، وينزل عقابه الصارم بالمردة الظالمين.
2- كان (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء في قنوته (بمنك وكرمك يا من يعلم هواجس السرائر ومكامن الضمائر، وحقائق الخواطر، يا من هو لكل غيب حاضر، ولكل منس ذاكر، وعلى كل شيء قادر، وإلى الكل ناظر، بعد المهل وقرب الأجل، وضعف العمل، وأراب الأمل.
وأنت يا الله الآخر كما أنت الأول مبيد ما أنشأت، ومصيرهم إلى البلى، وتقلدهم أعمالهم، ومحملها ظهورهم إلى وقت نشورهم من بعثة قبورهم عند نفخة الصور، وانشقاق السماء بالنور، والخروج بالمنشر إلى ساحة المحشر، لا ترتد إليهم أبصارهم وأفئدتهم هواء، متراطمين في غمة مما أسلفوا، ومطالبين بما احتقبوا، ومحاسبين هناك على ما ارتكبوا، الصحائف في الأعناق منشورة، والأوزار على الظهور مارورة، لا انفكاك ولا مناص ولا محيص عن القصاص قد أقحمتهم الحجة وحلوا في حيرة المحجة وهمس الضجة، معدول بهم عن المحجة، إلا من سبقت له من الله الحسنى فنجا من هول المشهد وعظيم المورد، ولم يكن ممن في الدنيا تمرد، ولا على أولياء الله تعند، ولهم استعبد، وعنهم بحقوقهم تفرد.
اللهم: فإن القلوب قد بلغت الحناجر، والنفوس قد علت التراقي والأعمار قد نفذت بالانتظار لا عن نقص استبصار، ولا عن اتهام مقدار، ولكن لما تعاني من ركوب معاصيك، والخلاف عليك في أوامرك ونهيك، والتلعب بأوليائك، ومظاهرة أعدائك.
اللهم: فقرب ما قد قرب، وأورد ما قد دنى، وحقق ظنون الموقنين وبلغ المؤمنين تأميلهم من إقامة حقك ونصر دينك وإظهار حجتك..).
وحفل هذا الداء الشريف بإعطاء صورة عن سعة علم الله، وإحاطته بكل شيء الظاهر والخفي كما حفل بذكر المعاد، وحشر الناس جميعاً يوم القيامة لعرضهم للحساب أمام الله، وهم يحملون على ظهورهم وزر ما عملوه في دار الدنيا، وإنهم مطالبون بما اقترفوه، ومحاسبون على ما عملوه، ولا ينجو من أهوال ذلك المشهد الرهيب إلا من سبقت له من الله الحسنى، ولم يكن من المتمردين في دار الدنيا، ولا من المستعبدين لعباد الله، وفيه تعريض بحكام الأمويين الذين اتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، وإن القلوب قد بلغت الحناجر، من ظلمهم وجورهم حسبما يقول (عليه السلام).
حجه:
وكان الإمام أبو جعفر (عليه السلام) إذا حج البيت الحرام انقطع إلى الله وأناب إليه وتظهر عليه آثار الخشوع والطاعة، وقد روى مولاه أفلح قال: حججت مع أبي جعفر محمد الباقر فلما دخل المسجد رفع صوته بالبكاء فقلت له:
(بأبي أنت وأمي إن الناس ينتظرونك فلو خفضت صوتك قليلاً).
فلم يعن به الإمام وراح يقول له:
(ويحك يا أفلح إني أرفع صوتي بالبكاء لعل الله ينظر إلي برحمة فأفوز بها غداً..).
ثم إنه طاف بالبيت، وجاء حتى ركع خلف المقام، فلما فرغ وإذا موضع سجوده قد ابتل من دموع عينيه وحج (عليه السلام) مرة وقد احتف به الحجاج، وازدحموا عليه وهم يستفتونه عن مناسكهم ويسألونه عن أمور دينهم، والإمام يجيبهم، وبهر الناس من سعة علمه، وأخذ بعضهم يسأل بعضاً عنه فانبرى إليهم شخص من أصحابه فعرفه لهم قائلاً:
(إلا أن هذا باقر علم الرسل، وهذا مبين السبل، وهذا خير من رسخ في أصلاب أصحاب السفينة، هذا ابن فاطمة الغراء العذراء الزهراء، هذا بقية الله في أرضه، هذا ناموس الدهر، هذا ابن محمد وخديجة وعلي وفاطمة، هذا منار الدين القائمة..).
ولم تذكر المصادر التي بأيدينا عدد حجه إلى بيت الله الحرام، فقد أهملت ذلك.
مناجاته مع الله:
كان الإمام (عليه السلام) يناجي الله تعالى في غلس الليل البهيم، وكان مما قاله في مناجاته:
(أمرتني فلم أئتمر، وزجرتني فلم أنزجر، ها أنذا عبدك بين يديك..).
ذكره لله:
ويقول المؤرخون: إنه كان دائم الذكر لله، وكان لسانه يلهج بذكر الله في أكثر أوقاته، فكان يمشي ويذكر الله، ويحدث القوم، وما يشغله ذلك عن ذكره تعالى، وكان يجمع ولده ويأمرهم بذكر الله حتى تطلع الشمس كما كان يأمرهم بقراءة القرآن، ومن لا يقرأ منهم أمره بذكر الله.
زهده في الدنيا:
وزهد الإمام أبو جعفر (عليه السلام) في جميع مباهج الحياة وأعرض عن زينتها فلم يتخذ الرياش في داره، وإنما كان يفرش في مجلسه حصيراً.
لقد نظر إلى الحياة بعمق وتبصر في جميع شؤونها فزهد في ملاذها، واتجه نحو الله تعالى بقلب منيب، يقول جابر بن يزيد الجعفي: قال لي محمد بن علي:
(يا جابر إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب..).
فانبرى إليه جابر قائلاً:
(ما حزنك، وما شغل قلبك؟).
فأجابه (عليه السلام) بما أحزنه وزهده في هذه الحياة قائلاً:
(يا جابر إنه من دخل قلبه صافي دين الله عز وجل شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون، هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها..).
وأثرت عنه كلمات كثيرة في الحث على الزهد، والإقبال على الله، والتحذير من غرور الدنيا، وآثامها ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مظاهر شخصيته المشرقة.
نسألكم الدعاء
عووواااامي مخلص