المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفات


omm zaynb
02-17-2008, 10:55 PM
الوقفة الأولى: التفكر بالعقل وأهميته



أختي الفاضلة: مما لا شك فيه أن للعقل مكانة عالية، ولا غرو فقد وردت مادته في القرآن تسعاً وخمسين مرة كلها يفيد أن انتفاء العقل مذمة وكماله مدح.. هذه سوى ذكر مرادفاته، كالألباب والأحلام والحجر؛ وذكر أعماله، كالتفكر والتذكر والتدبر والنظر والاعتبار والفقه والعلم؛ فهذه الأعمال العقلية لا تكاد تخلو من ذكرها سورة من كتاب الله تعالى، ويرد ذكرها على أنها أوصاف مدح وكمال للمتصف بها، وأن انتفاءها أو نقصانها مذمة شرعية.

وهذا يدل على رفع الإسلام من شأن العقل وتكريمه له واحتفائه به، كيف لا وقد جعله مناطاً للتكليف وشرطاً لقيام الحجة؟!

كما يدل على عناية الإسلام الفائقة بمكانة العقل، محاربته وتحريمه لكل ما من شأنه أن يُعطله أو يضعفه كالخمر وما في حكمه؛ أو يحول بينه وبين أدائه لوظيفته التي خلقه الله من أجلها، كالتقليد الأعمى، واتباع الهوى، والتعصب لغير الحق. كما حرّم ما ينافيه من الأوهام الباطلة والخرافات، كالتشاؤم والكهانة والسحر والشعوذة وما جرى مجرى ذلك.

أختاه! لو نظرتِ نظرة سريعة وإطلالة عابرة في آيات كتاب الله فإنكِ ستجدين ما ذكرناه آنفاً مجسداً بيناً واضحاً، اقرئي معي قوله سبحانه عن الكفار في نار جهنم وهم ينفون عن أنفسهم العقل بعد دخولهم النار: ((وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ)) [الملك:10].

وقال سبحانه مبكتاً من يأمر الناس بالبر وينسى نفسه: ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [البقرة:44].

أختاه! لقد أردف الله تعالى بعد قوله: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)) [البقرة:170].

أردفها بقوله سبحانه: ((وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) [البقرة:171].

أختي! الآية واضحة بينة المحجة لمن تدبرها، ولقد بين سبحانه سبب معاندة المشركين ورفضهم الحق واتخاذه هزواً ولعباً، فقال عز وجل: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)) [المائدة:58].

وبيَّن الله حال الذين كفروا وكذبهم على الله تعالى بنفي العقل عن أكثرهم، فقال سبحانه: ((وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) [المائدة:103].

أيتها الأخت العاقلة: إن الله تبارك وتعالى جعل عقاب من لا يعقل -وهو أهل لذلك- أن يجعل عليه عذاباً، إذ إنه استحب الضلالة على الهداية وتعامى وتغافل وعطل عقله وتفكيره، فقال جل شأنه: ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ)) [يونس:100] بل الله جل في علاه خص تفصيل آياته لمن يعقل ويعي الخطاب، فقال: ((كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [الروم:28].

أخيراً أختاه: تأملي نهي الله هذا ثم انتهي! قال جل شأنه: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصّمّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ)) [الأنفال:21-22].

وتذكري قوله تعالى: ((يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) [الأنفال:24-25].



لوقفة الثانية: التوحيد أولاً



أخيتي الغالية: لا شك أنك قد اطلعتِ على صفحاتٍ من كتب المذهب عندكم.. ولكن هل وجدتِ التوحيد الذي قرره القرآن الكريم أم وجدتِ غير ذلك؟

دعيني أخية أذكر لك بعض ما وجدته أنا فيها.. ولن أُطيل بل سأكتفي بذكر أنموذجين فقط!!

مناقب آل أبي طالب ابن شهر آشوب (3/35) الفردوس، طاووس، عن ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خبر: (يا بن عباس! والذي بعثني بالحق نبياً إن النار لأشد غضباً على مبغضي علي منها على من زعم أن لله ولداً).

جاء في كتاب عيون أخبار الرضا (1/287): حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال: قرأت كتاب أبي الحسن الرضا عليه السلام: (أبلغ شيعتنا أن زيارتي تعدل عند الله ألف حجة، قال: فقلت لأبي جعفر عليه السلام ابنه: ألف حجة؟! قال: إي والله، ألف ألف حجة لمن زاره عارفاً بحقه).

فالرواية الأولى: هدمت كل معاني التوحيد والفطرة في قلب كل مؤمن! وعليٌ وبنوه رضوان الله عليهم في غنىً عن هذا الغلو المفضي إلى الإشراك بالله تعالى وتقدس.

والرواية الثانية: هدمت مقدسات الله ومعانيها السامية، وتوحيد الله في أعمال وأقوال المؤمن لتصرفه إلى تقديس قبور الأولياء والصالحين والحج إليها من دون شعائر الله، والله يقول: ((كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا منْهَا منْ غَمّ أُعِيدُوا فيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَريقِ)) [الحج:22].

نعم.. إنكِ في القرآن تجدين سورة للحج ولا تجدين فيه سورة للقبور والمشاهد!!

أختاه! تذكري حال الأمة قبل مبعث إمام الموحدين عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ لقد كانوا في جاهلية جهلاء وظلمات ظلماء، وتيه في مفازات الهلاك، وانغماس في جهالات الضلال! عقائد متهافتة.. فذاك يعبد إلهاً من حجارة، وآخر يصنعه بيده من العجوة!! يدعون غير الله، ويأتمرون بأوامر الشيطان زيّن لهم أعمالهم!

ومن أوساط هذا الزخم الشركي وهذه الظلمات: يخرج الله دعوة الحق على أيدي أنبيائه عليهم السلام بنداء عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلّ أُمَّةٍ رَسولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)) [النحل:36].

والتوحيد -أختاه- هو الغاية من الخلق، وعليه نصب الله الجنة والنار، قال تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56] أي: ليوحدون، فجعل الله جلّ في عُلاه سر الخلق وسببه هو العبودية لله وحده لا شريك له، فهذا نداء الله لأصفيائه الكرام الذين اختارهم الله لحمل رسالاته يناديهم ويصفهم بهذا الوصف الدال على التوحيد الخالص وهو العبودية لله تعالى، فيقول سبحانه: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه لَيْلاً منْ الْمَسْجدِ الْحَرَام إلَى الْمَسْجدِ الأَقْصَى)) [الإسراء:1].

وقال جلّ شأنه: ((وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهيمَ وَإسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار)) [ص:45].

وقال عن سليمان عليه السلام: ((وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْربْ به وَلا تَحْنَثْ إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابراً نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ)) [ص:44].

وقال عز وجل: ((فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبرْ لِعِبَادَتِه)) [مريم:65].

وقال عن ملائكته: ((بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ)) [الأنبياء:26].

أرأيتِ -أخيتي الغالية- كيف هي منزلة العبودية وحصرُها لله جلّ في عُلاه؟ فهي معنى لا إله إلا الله التي أفادت النفي والإثبات.. نفي الألوهية عما سوى الله، وإثباتها حصراً لله وحده.. فكان معناها: لا معبود بحقٍ إلا الله.

فالعبادة هي: الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله ويرضاها؛ والظاهر من الأعمال كالدعاء والذبح، والباطن من الأعمال كالخوف والرجاء والاستغاثة والتوكل.. وغيرها من العبادات العظيمة التي لا يجوز صرف شيء منها إلا لله مع الإخلاص والبعد عن الرياء، قال سبحانه: ((أَلا لِلَّه الدّينُ الْخَالِصُ)) [الزمر:3].

وقال عز وجل: ((فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدّينَ)) [الزمر:2].

وقال تعالى: ((هُوَ الْحَيّ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصينَ لَهُ الدّينَ الْحَمْدُ لِلَّه رَبّ الْعَالَمينَ)) [غافر:65].

فأين من يدعو غير الله من الأموات والأحياء عن هذا في كتاب الله؟ أليس بعد هذا إلا الضلال المبين؟ قال سبحانه: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّه مَنْ لا يَسْتَجيبُ لَهُ إلَى يَوْم الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائهمْ غَافلُونَ)) [الأحقاف:5].

وقال تعالى: ((يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)) [الحج:12].

فإن قال قائل جاهل بالتوحيد مُتلبس ببدعة الشرك: إنما أوردَ هنا في عبادة غير الله من الأصنام والحجارة؛ أما نحن فندعو من يسمع ويقرب إلى الله، مع كون أصل العبادة لله!

قلنا له: هذا كلامٌ غير رشيد! ألم تقرأ وتتمعن في كتاب الله جل وعلا؟

ألم تعلم أن النهي عن دعاء غير الله جاء صريحاً على وجه العموم والتوضيح الصريح، فقال تعالى: ((فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَداً)) [الجن:18].

وكلمة (أَحَداً) نكرة، ومعلوم عند العلماء العقلاء أهل العربية أن النكرة إذا جاءت في سياق النفي أو النهي لا تفيد إلا العموم، قال جل شأنه: ((قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ منْ دُونِ اللَّه لَمَّا جَاءَنِي الْبَيّنَاتُ منْ رَبّي وَأُمرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ الْعَالَمينَ)) [غافر:66].

كما أن الله عز وجل أنكر على المشركين التوسط بالأولياء والصالحين موضحاً أنهم عباد أمثالهم لا يملكون لأنفسهم جلب نفع أو دفع ضر! فضلاً أن يكشفوا عنهم ضراً أو يحوّلوا عنهم سوءاً!! بل إنهم مع قربهم منه جل وعلا يتقربون إليه بالخوف منه والرجاء لرحمته، قال تعالى في شأن الأنبياء والملائكة والصالحين: ((قُلْ ادْعُوا الَّذينَ زَعَمْتُمْ منْ دُونِه فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضّرّ عَنكُمْ وَلا تَحْويلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبّهمْ الْوَسيلَةَ أَيّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُوراً)) [الإسراء:56-57].

فهل هؤلاء أصنام؟



وقال سبحانه: ((أَلا لِلَّه الدّينُ الْخَالِصُ وَالَّذينَ اتَّخَذُوا منْ دُونِه أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرّبُونَا إلَى اللَّه زلْفَى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ في مَا هُمْ فيه يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذبٌ كَفَّارٌ)) [الزمر:3].

فما أشبه الليلة بالبارحة! فإن عامة الناس اليوم إذا أمرتهم بإخلاص الدعاء والعبادة لله وحده وترك دعاء الأولياء والصالحين، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى!!

فهذا -أختاه- بيان قد أبان لكل ذي بصر وعقل أن دعاء غير الله الواحد الأحد منافٍ لدين الإسلام وهو عين الشرك برب العالمين، قال تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبّي وَلا أُشْركُ به أَحَداً)) [الجن:20].

وقال سبحانه: ((وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ منْ الْمُشْركِينَ)) [القصص:87]

وقال تعالى: ((ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإنْ يُشْرَكْ به تُؤْمنُوا)) [غافر:12].

فما هو مشهد هؤلاء المشركين عندما تتجلى الأمور يوم الدين؟

اقرئي معي قوله تعالى: ((وَإِذَا رَأَى الَّذينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤلاء شُرَكَاؤنَا الَّذينَ كُنَّا نَدْعُو منْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إلَيْهمْ الْقَوْلَ إنَّكُمْ لَكَاذبُونَ)) [النحل:86].

ثم أتبع ذلك بتبرئهم من شركهم؛ فيقول سبحانه عنهم: ((تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إيَّانَا يَعْبُدُونَ)) [القصص:63].

فيا حسرة من أشرك بالله معه غيره يومئذ! وصدق الله العظيم: ((فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّه كَذباً أَوْ كَذَّبَ بآيَاتِه أُوْلَئكَ يَنَالُهُمْ نَصيبُهُمْ منْ الْكِتَاب حَتَّى إذَا جَاءَتْهُمْ رُسلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ منْ دُونِ اللَّه قَالُوا ضَلّوا عَنَّا وَشَهدُوا عَلَى أَنْفُسهمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافرينَ)) [الأعراف:37].

أخيتي: ماذا عن واقعنا الذي نعيشه الآن؟ هل يُحقق فيه إخلاص التوحيد لله تعالى؟

فهذه عند المصيبة تندب وتصرخ بدعاء غير الله؛ فتقول: يا فاطمة! يا زهراء! يا معصومة!

وهذه عند الولادة تدعو علياً وكأنه معها ويسمعها!

وهذه كادت أن تتعثر، فتقول: يا علي!

وهذه تُعبّدُ أسماء أبنائها لغير الله؛ فتسمي: عبد الحسين! وعبد الزهراء! وعبد الرضا!

أُختاه: هل هذا من التوحيد؟ والسؤال هنا: إذا أصابك الكرب.. هل يقدر الله على كشفه أم لا يقدر؟ وهل يعلم حالكِ ويسمع صوتك ويجيب صرختكِ أم لا؟ فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً، قال تعالى: ((أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السّوءَ)) [النمل:62].

فالله هو القريب المجيب، وغيره لا يسمع ولا يجيب: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنّي قَريبٌ أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجيبُوا لِي وَلْيُؤْمنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)) [البقرة:186].

فتأملي معي قوله سبحانه: ((لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ وَالَّذينَ يَدْعُونَ منْ دُونِه لا يَسْتَجيبُونَ لَهُمْ بشَيْء)) [الرعد:14]، وقوله عز وجل: ((وَلَئنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ منْ دُونِ اللَّه إنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرّه أَوْ أَرَادَنِي برَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسكَاتُ رَحْمَتِه قُلْ حَسْبي اللَّهُ عَلَيْه يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكّلُونَ)) [الزمر:38].

ومن يدعو من دون الله من الأموات، ألم يقرأ قوله تعالى: ((وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ)) [فاطر:14] وقوله عز وجل: ((وَمَنْ أَضَلّ ممَّنْ يَدْعُو منْ دُونِ اللَّه مَنْ لا يَسْتَجيبُ لَهُ إلَى يَوْم الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائهمْ غَافلُونَ)) [الأحقاف:5] وقوله جلَّ شأنه: ((وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ)) [القصص:64] وقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَدْعُونَ منْ دُونِه لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)) [الأعراف:197].

أختاه: هل يستوي الأحياء والأموات؟

أجاب الله عز وجل عن ذلك بقوله: ((وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمعُ مَنْ يَشَاء وَمَا أَنْتَ بمُسْمعٍ مَنْ في الْقُبُور)) [فاطر:22] وبقوله سبحانه: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ منْ دُونِ اللَّه لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثونَ)) [النحل:20-21].

وهذه الآيات البينات تكشف أختاه شبهة من يقول من أهل الإشراك: إن هذه الآيات هي في الحجارة والأصنام بالذات!! فهل الحجارة تُبعث من القبور؟! فإن هذه الحجارة إنما هي تماثيل الصالحين وصورهم، وفي قولـه تعالى: ((وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً)) [نوح:23] دليلٌ واضح على ذلك؛ فهؤلاء أُناسٌ صالحون لما ماتوا جاء الشيطان بهذا الشرك لقوم نوح فمثلوا تماثيل بصورهم وعبدوهم من دون الله!!

تأملي معي رعاكِ الله هذه الآيات، قال الله تعالى: ((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ منْ الْخَيْر وَمَا مَسَّنِي السّوء إنْ أَنَا إلاَّ نَذيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمنُونَ)) [الأعراف:188] وقال تعالى: ((وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ منْ اللَّه شَيْئاً)) [المائدة:41] وقال تعالى عن الأولياء: ((فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْويلاً)) [الإسراء:56] وقال سبحانه: ((وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِه مَا يَمْلِكُونَ منْ قِطْمير)) [فاطر:13].

بل اقرئي الآيات التي بيَّن الله عز وجل فيها الفرق بين الخالق والمخلوق، وأن الدعاء لا يكون إلا للخالق، كما قال سبحانه: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ منْ دُونِ اللَّه لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ)) [النحل:20]

وفي هذا إشارة إلى أن الذي لا يخلق شيئاً وهو مخلوق، لا ينبغي دعاؤه حتى لو كان نبياً أو ولياً أو صالحاً، وإنما ينبغي دعاء الخالق الذي لم يُخلق وهو الله سبحانه وتعالى.

وقال سبحانه مشيراً إلى دعاء رب العباد وترك دعاء العباد أيَّاً كانوا: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)) [الأعراف:194].

وهذا يدلكِ دلالة واضحة على أن الشرع إنما يأمر بدعاء الله وحده، وهذا هو المنهج القرآني وسبيل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

وبعد:

فقد حرّم الله الجنة على المشركين حتى يتوبوا إلى الله بالتوحيد، قال تبارك وتعالى: ((إِنَّهُ مَنْ يُشْركْ باللَّه فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْه الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظالِمينَ منْ أَنصَار)) [المائدة:72].

وكتب على أهله أن لا يغفر الله لهم إذا ماتوا عليه، فقال عز وجل: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفرُ أَنْ يُشْرَكَ به وَيَغْفرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء وَمَنْ يُشْركْ باللَّه فَقَدْ افْتَرَى إثْماً عَظيماً)) [النساء:48].

فحذارِ حذارِ أُختي الغالية من هذا الذنب الكبير والظلم العظيم: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان:13].

طهِّري قلبكِ من علائق الشرك ودنس العبودية لغير الله، ومحبة الله إنما هي باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه وتعالى: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْببْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ)) [آل عمران:31].

وإياكِ إياكِ أن تكوني في زمرة الأشقياء الذين ورثوا الضلال والشقاء عن الأجداد والآباء الذين يقولون عن حسرة الاقتداء: ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارهمْ مُقْتَدُونَ)) [الزخرف:23].

وعليكِ غاليتي بالقرآن الكريم، والنور المُبين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد، هل ترين فيه قبور أنبياء وأولياء؟ هل ترين دعاء غير الله؟ هل ترين الحث على المزارات والعكوف عندها؟ هل ترين طلب الحاجات من الأولياء؟ هل ترين الاستغاثة بالمعصومة وبزينب وبالحسين و.. و...



فيا صاحبة العقل الكبير: ألا من توبة وأوبة ورجعة إلى الله الواحد القهار؛ قال تعالى وهو أرحم الراحمين: ((وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بالْحَقّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فيه مُهَاناً * إلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَملَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحيماً)) [الفرقان:68-70].

فبادري بالتوبة من الشرك والبدع والتوجه لغير الله.

عجلي بتوحيد الله.. فلا غفران مع الشرك، قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفرُ أَنْ يُشْرَكَ به وَيَغْفرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء)) [النساء:48]

((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْث لا يَحْتَسبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْره قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلّ شَيْء قَدْراً)) [الطلاق:2-3].



- وقفة تأمل:

أختاه! تأملي في الآيات الآتية؛ ورددي تلاوتها، وتدبري في معانيها.

قال الله تعالى: ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ منْ دُونِ اللَّه حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَاردُونَ)) [الأنبياء:98].

((لَوْ كَانَ هَؤلاء آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلّ فيهَا خَالِدُونَ)) [الأنبياء:99].

((لَهُمْ فيهَا زَفيرٌ وَهُمْ فيهَا لا يَسْمَعُونَ)) [الأنبياء:100].

((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ منَّا الْحُسْنَى أُوْلَئكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)) [الأنبياء:101].

((لا يَسْمَعُونَ حَسيسَهَا وَهُمْ في مَا اشْتَهَتْ أَنفُسهُمْ خَالِدُونَ)) [الأنبياء:102].

أختاه! من هم الذين سبقت لهم الحسنى؟

أختاه! هنا ذكر الله حقائق ثابتة بنص القرآن، والواقع يشهد أن طوائف من البشر تعبد الأنبياء والصالحين! تعبدهم من دون الله ومع الله عز وجل، وقد حكم الله سبحانه بدخول من أشرك به النار مع آلهته المزعومة، ولما كان في المعبودين من لا يرضى أن يعبد مع الله وينهى عن الشرك كله.. وهم أئمة التوحيد الداعين إليه: بَيَّن الله سبحانه نجاتهم وإبعادهم عن النار، وهؤلاء هم الذين سبقت لهم الحسنى.

أختاه! الآيات صريحة الدلالة! فأين التدبر لمعانيها؟!

علينا أن نسأل الله التوفيق والسداد وأن يهدينا سبيل الرشاد.
الوقفة الثالثة: حالنا مع القرآن الكريم



أختاه: لقد أكرمنا الله تعالى بأن جعلنا من أُمةِ أفضلِ الأنبياء والمرسلين، وأكرمنا بإنزال خير كُتبه في العالمين، وخصَّنا من بين الأمم بذلك؛ قال سبحانه وتعالى: ((قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سبُلَ السَّلامِ وَيخْرِجُهُمْ مِنْ الظلُمَاتِ إلَى النّورِ بِإذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [المائدة:15-16].

إنه العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، فهو شفاءٌ لما في الصدور، والحكم العدل عند شبهات الأمور، وهو الكلام الجزل، وهو الفصل ليس بالهزل، سراجٌ لا يخبو ضوءه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره، بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل منقول، بهر حسن ارتباط أواخره بأوائله، وأعجزت بديع إشاراته وعجيب انتقالاته، من قصصٍ باهرة إلى مواعظ زاجرة وأمثال سائرة، ومواقع تَعجّبٍ واعتبار، ومواطن تنزيه واستغفار، إن كان الكلام ترجيةً بسط، وإن كان تخويفاً قبض، وإن كان وعداً أبهج، وإن كان وعيداً أزعج، وإن كان دعوة جذب، وإن كان زجراً أرعب، وإن كان موعظة رأف، وإن كان ترغيباً شوّق، فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بأبدع معنىً وأعذب أسلوب؛ فالسعيد من صرف همته إليه، ووقف فكره وعزمه عليه، والموفق من وفقه الله لتدبره واصطفاه للتذكير به وتذكّره.

أختاه! إن هذا القرآن أنزله الله ليكون منهج حياة؛ هي خير حياة وأسعدها، ومرشداً إلى سبيل هي أقوم سبيل وأنجحها: ((فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضلّ وَلا يَشقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشةً ضَنكاً وَنَحْشرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)) [طه:123-124].

أُخيتي: كلام ربنا بين أيدينا نزّهه الله عن الخطأ والزلل، وجعله فصلاً في كل زمان ومكان: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفهِ تَنزيلٌ مِنْ حكِيمٍ حمِيدٍ)) [فصلت:42].

فبهِ اتضح سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم، فهـو الضياء والنور، وفيه الشفاء لما في الصدور؛ من تمسك به فقد هُدي، ومن عمل به فاز، جعــل الله فيـه وبـه الهداية لمن شـاء من عباده المتقين: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) [البقرة:1-2].



أختي الغالية: لقد وعد الله سبحانه أن يحفظ كتابه من عبث العابثين، وتحريف الغالين؛ قال جلّ في عُلاه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحافظونَ)) [الحجر:9].

وإن من أسباب حفظه في القلوب والمصاحف؛ استدامة تلاوته، والمواظبة على دراسته والمحافظة على ما فيه من الأعمال الباطنة والآداب الظاهرة، فهذا -أُختاه- ما أراده الله عز وجل من إنزال كتابه، أن نأتمر بأمره، وننتهي عند نهيه، ونصدق أخباره وما فيه من الإخبار بالغيب، ونتعظ ونعتبر من قصص الأمم الماضية، لا لنتخذه ظهرياً؛ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)) [ص:29].. ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:24].

أُختاه! إن القرآن الكريم منهج حياة ودستور ونظام وشريعة الله إلى أهل الأرض، قضى أن لا يحتكموا إلا إليه، وأمر أن لا يؤمنوا إلا بما وافقه، وأن يعرضوا عن زبالات أذهان الناس من الشرق ومن الغرب.. فهو الحكم العدل، كما قال سبحانه: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حكْماً لِقَوْمٍ يوقِنُونَ)) [المائدة:50].

وقال جل شأنه وتقدست أسماؤه: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إلَى الطاغوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفرُوا بِهِ وَيرِيدُ الشيْطانُ أَنْ يضلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسولِ رَأَيْتَ الْمُنَافقِينَ يَصدّونَ عَنْكَ صدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثمَّ جَاءوكَ يَحْلِفونَ بِاللَّهِ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَاناً وَتَوْفيقاً)) [النساء:60-62]

((أُوْلَئِكَ الَّذينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا في قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنفسهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)) [النساء:63]

((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلاَّ لِيطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظلَمُوا أَنفسَهُمْ جَاءوكَ فَاسْتَغفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغفَرَ لَهُمْ الرَّسولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيماً)) [النساء:64]

((فَلا وَرَبّكَ لا يؤمِنُونَ حتَّى يحكّمُوكَ فيمَا شجَرَ بَيْنَهُمْ ثمَّ لا يَجِدُوا في أَنفسهِمْ حرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيسَلّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65].

إن الله قد جمع الهداية والفلاح في هذا الكتاب الكريم، فقال سبحانه: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيبَشرُ الْمُؤمِنِينَ الَّذينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً)) [الإسراء:9].

ففيه الشفاء: ((قُلْ هُوَ لِلَّذينَ آمَنُوا هُدًى وَشفَاءٌ وَالَّذينَ لا يؤمِنُونَ في آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئكَ ينَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) [فصلت:44].
إن آيات هذا الكتاب العظيم والسراج المنير قد أثرت في قلوب المشركين؛ وقلبتها من شركٍ إلى توحيد، ومن عصيان وطغيان إلى طاعة وعبادة؛ فهذا أحدهم يسمع النبي عليه الصلاة والسلام يتلو عند الكعبة آيات مما أوحى الله إليه، فيقول: (والله ما سمعتُ قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه) فأثرت كلمات القرآن في نفسه، وسرت إلى عقله وقلبه همسات دافئة هادئة تحمل هداية القرآن. وهذا رجل آخر كان جباراً في الجاهلية شديداً على المسلمين يومئذٍ، فلمّا سمع قوله تعالى: ((طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشقَى)) [طه:1-2] إلى قوله عز وجل: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذكْرِي)) [طه:14] كسّرتْ تلك الآيات أعواد الشرك في قلبه، وأذابت صخور الجاهلية، وقال: (ما ينبغي لمن يقول هذا أن يعبد معه غيره) فأصبح ذلك الرجل إذا سار في فجٍ سار الشيطان من فجٍ آخر، إنه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أُختاه! ألم تتفكري وتتدبري في جامعة القرآن! كيف أخرجت جيلاً مُميزاً في تاريخ الإسلام كله وفي تاريخ البشرية جمعاء؟

إنه جيل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ هذا العدد النقي الصالح الذي لم يجتمع مثله بعد ذلك في مكانٍ واحد، وليس السبب في تجمعه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم قائم فحسب! ولكن ثمة سببٌ آخر: هو أن الصحابة رضوان الله عليهم استقوا من نبع القرآن، وتكيفوا به، وتخرجوا عليه، فكانوا يتلون القرآن للعمل به في أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم الذي يعيشون فيه.

إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح، روح المعرفة المتمثلة في العمل به، وانظري مثال ذلك في حادثة (تحريم الخمر) من كُتب التفسير.


أما بعد.. أُختي الفاضلة:

فهذا الدستور الخالد منذ يومه الأول وهو آخذ بروعته عقول الناس، مؤمنهم وكافرهم، فقد خضعت له أعناق كُبراء الجاهلية وأسيادهم، وطأطأتْ له رءوس البلاغة والأدب..، شهادة إكبار وقول حق واعتبار، قام له العالم كله ولم يقعد هيبة لمطلعه النوراني، فهو كلام رب الأرباب، الآخذ بالقلوب والألباب.. المهيمن على جميع الكتب.. المُنزل على خير الرسل.. المشرِع لخير الأمم؛ ولا غرو فقد شهد له بذلك الكافر! ونحن في غنى عن شهادته، فراجعي -أُختي- ما كتبه علماء الغرب والشرق في كتاب الله، وانظري على سبيل المثال كتاب: (قالوا عن الإسلام، لـعماد خليل) لَتَريْ ما يهولكِ من اعترافات بصدق هذا الكتاب الخالد وقوةتأثيره وصداه عندهم!

ولكن أُختاه: ما حال مذهبكِ مع هذا القرآن العظيم؟

غاليتي: ليس غرضي من هذا السؤال التفرقة الطائفية! أو الفتنة المذهبية! أو من أجل التدليس الفردي! كلا والله، بل الأمر كلمات خرجت من القلب لتصل إلى القلب، ولتري نفسكِ -أُختاه- ومكانكِ تجاه كتاب الله تعالى؛ فتأخذي بيدي وآخذ بيدك لنحقق الوحدة الإسلامية المنشودة، انطلاقاً من كتاب الله تعالى أصل الأصول ودستور الحياة الخالد.

تعلمين -أختاه- ويعلم كل مسلم دور الحكومات الإسلامية في العالم واهتمامها بطباعة المصحف الشريف، ودور جامعاتها ومعاهدها ومدارسها بالعناية به، ولا يخفاكِ مسابقات القرآن الكريم العالمية، وحلقات التحفيظ الخاصة به، كل ذلك اهتماماً بكلام الله تعالى وتقدس، علاوة على إنشاء مؤسسات خاصة تشجع طباعته ودراسته وحفظه وتلاوته وتفسيره، ولنأخذ مثالاً وهو: الجامع الأزهر الشريف، بل الكلام عنه وعن اهتمامه بالقرآن قد يعتبر لغواً من الكلام! فهو غني عن التعريف، إنه جامع الأزهر، منارة القرآن وجامعة الحفاظ.. وقد خرَّج مئات الألوف من حفظة كتاب الله الذين علموا الدنيا كلها كيف يرتل كتاب الله، وقد طبع الأزهر ملايين النسخ من القرآن خدمةً لكتاب الله.

أما الدراسات التي تخدم القرآن وتُدافع عنه فهي أكثر من أن تُذكر، ويكفي أن تطلعي على فهرس الدراسات العليا للأزهر؛ لتري ما يذهلكِ! وأما جامعات المملكة وتونس وسوريا والمغرب ودول الخليج، وبقية دول العالم الإسلامي فهي غير خافية.

ولكن أُختي: ما هو الدور الذي أدَّاه مذهبك واعتقده علماؤه ومفكروه تجاه القرآن الكريم؟؟ وحتى أكون بعيدة عن الظلم والاستبداد، وقريبة من المصداقية والعدل، سأوثق كلامي وأحيله إلى مصدر مطلع على الأمور، لا على جاهل شاذ أحمل كلامه وأُعممه على الجميع، وسأسند نقلي إلى مؤسسات علمية دينية معتمدة، لا على أفراد قد يكونون مقصرين