المهندسة
03-09-2008, 12:21 PM
الشعراء والمرض
الشعراء مثل كل المخلوقات ، ألم المرض بهم أو بأقربائهم ، فمنهم من تلقاه بالصبر ورحابة الصدر ، ومنهم من حزن وسالت دموعه ، ومنهم من سخر من المرض وتصدى له . وفي كل هذا وذاك أوحى المرض إليهم شعرا ، وفاضت أنفسهم بشعر نضحت حروفه بالحزن والمرارة والألم .
وهذا أبو العتاهية في مرضه الأخير ، وقد أحس بقرب الأجل ، ينظم قصيدة رائعة يرجو فيها عفو ربه، ويندم على ما أسرف من عمل في دنياه :
إلهي لا تعذبني فإني ***** مقر بالذي قد كـان مني
فمالي حيلة إلا رجائي ***** لعفوك فاحطط الأوزار عني
وكم من زلة لي في الخطايا ***** وأنت علي ذو فضل ومن
إذا فكرت في ندمي عليها ***** عضضت أنا ملي وقرعت سني
ومن الشعراء من سخط على المرض ، ونقم عليه .. فهذا أبو القاسم الشابي وقد أصبح جل شعره مسطرا بالمرض ، فقد راح المرض ينخر في صدره ، وصار شبحا لا يفارقه في ليل أو نهار . وهذه قصيدة قالها قبل وفاته وهو في سن الخامسة والعشرين ، يقول :
سأعيش رغم الداء والأعداء ***** كالنسر فوق القمة الشماء
أدنو إلى الشمس المضيئة هازئا ***** بالسحب والأمطار و الأنواء
لا ألمح الظل الكئيب ولا أرى ***** ما في قرار الهوة السـوداء
فالمرض تسلل إلى ألفاظه ومعانيه: الداء والأعداء ، والسحب والمطار والأنواء ، وهو يحاول التخلص منها ويتمرد تارة عليها فيقول :
فاصدم فؤادي ما استطعت فإنه ***** سيكون مثل الصخر الصماء
لا يعرف الشكوى الذليلة والبكا ***** وضراعة الأطفال و الضعفاء
ولكنه يبدو في النهاية ضعيفا أمام الداء ، إذ يقول :
أما إذا خمدت حياتي وانقضى ***** عمري وأخرست المنية نائي
وخبا لهيب الكون في قلبي الذي ***** قد عاش مثل الشعلة الحمراء
فأنا السعيد بأنني متحول ***** عن عالم الآثام والبــغضاء
ومن الشعراء من أصاب المرض أبناءهم وبناتهم ، فهذه الشاعرة عائشة التيمورية تنسج قصيدة من أجمل قصائدها في بنتها (( توحيدة )) التي بلغت ثماني عشرة سنة فتزوجت . فما مر على عرسها شهر حتى أصابها مرض مفاجئ فماتت .
وروعت الصدمة عائشة وشدهتها ، ونسيت كل شئ إلا ابنتها ، قالت فيها قصائد تبكي الصخر وتحرك الجماد . ومن أروع ما قالت هذه القصيدة التي تصف فيها بنتها وقد رأت عجز الطبيب وتصورت الموت ، وراحت تودع أمها :
لما رأت يأس الطبيب وعجزه ***** قالت ودمع المقلتين غـزير
أماه قد كل الطبيب وفاتني ***** مما أؤمل في الحياة نــصير
لو جاء عراف اليمامة يبتغي ***** برئي لرد الطرف وهو حسير
يا روع روحي حلها نزع الضنى ***** عما قليل ورقهــا ستطير
أماه قد عز اللقاء وفي غد ***** سترين نعشي كالعروس يسير
وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي ***** هو منزلي وله الجموع تصير
قولي لرب اللحد رفقا بابنتي ***** جاءت عروسا ساقها التقدير
وتجلدي بإزاء لحدي برهة ***** فتراك روح راعها المقـدور
وتصوروا الأم وهي تعود إلى الدار فلا تلقى ابنتها ، وترى جهاز العرس ما زال باقيا ، ويرن في أذنها صوت العروس تقول لها
صوني جهاز العرس تذكارا فلي ***** قد كان منه إلى الزفاف سرور
جرت مصائب فرقتي لك بعد ذا ***** لبس السواد ونفذ المسطـور
أماه لا تنسي بحق بنوتي ***** قبري لئلا يحزن المقــبـور
فأجابتها أمها بالقول :
فأحببتها والدمع يحبس منطقي ***** والدهر من بعد الجوار يجـور
لا توص ثكلى قد أذاب فؤادها ***** حزن عليك وحسرة وزفـير
والله لا أسلو التلاوة والدعا ***** ما غردت فوق الغصون طيور
أبكيك حتى نلتقي في جنة ***** برياض خلد زينتها الحــور
الشعراء مثل كل المخلوقات ، ألم المرض بهم أو بأقربائهم ، فمنهم من تلقاه بالصبر ورحابة الصدر ، ومنهم من حزن وسالت دموعه ، ومنهم من سخر من المرض وتصدى له . وفي كل هذا وذاك أوحى المرض إليهم شعرا ، وفاضت أنفسهم بشعر نضحت حروفه بالحزن والمرارة والألم .
وهذا أبو العتاهية في مرضه الأخير ، وقد أحس بقرب الأجل ، ينظم قصيدة رائعة يرجو فيها عفو ربه، ويندم على ما أسرف من عمل في دنياه :
إلهي لا تعذبني فإني ***** مقر بالذي قد كـان مني
فمالي حيلة إلا رجائي ***** لعفوك فاحطط الأوزار عني
وكم من زلة لي في الخطايا ***** وأنت علي ذو فضل ومن
إذا فكرت في ندمي عليها ***** عضضت أنا ملي وقرعت سني
ومن الشعراء من سخط على المرض ، ونقم عليه .. فهذا أبو القاسم الشابي وقد أصبح جل شعره مسطرا بالمرض ، فقد راح المرض ينخر في صدره ، وصار شبحا لا يفارقه في ليل أو نهار . وهذه قصيدة قالها قبل وفاته وهو في سن الخامسة والعشرين ، يقول :
سأعيش رغم الداء والأعداء ***** كالنسر فوق القمة الشماء
أدنو إلى الشمس المضيئة هازئا ***** بالسحب والأمطار و الأنواء
لا ألمح الظل الكئيب ولا أرى ***** ما في قرار الهوة السـوداء
فالمرض تسلل إلى ألفاظه ومعانيه: الداء والأعداء ، والسحب والمطار والأنواء ، وهو يحاول التخلص منها ويتمرد تارة عليها فيقول :
فاصدم فؤادي ما استطعت فإنه ***** سيكون مثل الصخر الصماء
لا يعرف الشكوى الذليلة والبكا ***** وضراعة الأطفال و الضعفاء
ولكنه يبدو في النهاية ضعيفا أمام الداء ، إذ يقول :
أما إذا خمدت حياتي وانقضى ***** عمري وأخرست المنية نائي
وخبا لهيب الكون في قلبي الذي ***** قد عاش مثل الشعلة الحمراء
فأنا السعيد بأنني متحول ***** عن عالم الآثام والبــغضاء
ومن الشعراء من أصاب المرض أبناءهم وبناتهم ، فهذه الشاعرة عائشة التيمورية تنسج قصيدة من أجمل قصائدها في بنتها (( توحيدة )) التي بلغت ثماني عشرة سنة فتزوجت . فما مر على عرسها شهر حتى أصابها مرض مفاجئ فماتت .
وروعت الصدمة عائشة وشدهتها ، ونسيت كل شئ إلا ابنتها ، قالت فيها قصائد تبكي الصخر وتحرك الجماد . ومن أروع ما قالت هذه القصيدة التي تصف فيها بنتها وقد رأت عجز الطبيب وتصورت الموت ، وراحت تودع أمها :
لما رأت يأس الطبيب وعجزه ***** قالت ودمع المقلتين غـزير
أماه قد كل الطبيب وفاتني ***** مما أؤمل في الحياة نــصير
لو جاء عراف اليمامة يبتغي ***** برئي لرد الطرف وهو حسير
يا روع روحي حلها نزع الضنى ***** عما قليل ورقهــا ستطير
أماه قد عز اللقاء وفي غد ***** سترين نعشي كالعروس يسير
وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي ***** هو منزلي وله الجموع تصير
قولي لرب اللحد رفقا بابنتي ***** جاءت عروسا ساقها التقدير
وتجلدي بإزاء لحدي برهة ***** فتراك روح راعها المقـدور
وتصوروا الأم وهي تعود إلى الدار فلا تلقى ابنتها ، وترى جهاز العرس ما زال باقيا ، ويرن في أذنها صوت العروس تقول لها
صوني جهاز العرس تذكارا فلي ***** قد كان منه إلى الزفاف سرور
جرت مصائب فرقتي لك بعد ذا ***** لبس السواد ونفذ المسطـور
أماه لا تنسي بحق بنوتي ***** قبري لئلا يحزن المقــبـور
فأجابتها أمها بالقول :
فأحببتها والدمع يحبس منطقي ***** والدهر من بعد الجوار يجـور
لا توص ثكلى قد أذاب فؤادها ***** حزن عليك وحسرة وزفـير
والله لا أسلو التلاوة والدعا ***** ما غردت فوق الغصون طيور
أبكيك حتى نلتقي في جنة ***** برياض خلد زينتها الحــور