المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقيقة الإنسان ومعدنهُ


عذراء
10-03-2008, 04:11 PM
حقيقة الإنسان ومعدنهُ
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات] ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]) العلامة الشيخ نمر باقر النمر ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]) * ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]_desc) - 28 / 9 / 2008م - 7:08 ص

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الإنسان رؤيةٌ نظرية وموقفٌ عملي؛ فالإنسان رؤية نظرية يعتقدها، فتُشكل طريقة تفكيره في الحياة، وتُصيغ شخصيته العامة، وتُحدد موقفه العملي الذي يتخذه ومصيره الذي سيؤول إليه، وكل مواقف الإنسان وسلوكياته ما هي إلا إنعكاس للرؤى التي يعتنقها.
والإنسان موقف عملي يُكشَفُ من خلاله المعدنُ الأصيل والمعدنُ الهزيل، ويُعلم بجوهره، ولا يُخدع بشكله، ويُطَّلع على مخبره، ولا يُغتر بمظهره، وبذلك تُعرف حقيقته التي من خلالها يُستشرف مستقبله، ويُحدد مصيره. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال والأيام توضح السرائر الكامنة".

إن هذه الرؤية التي تحدد موقف الإنسان ومستقبله ومصيره؛ تستقى إما من معين هدى الكلمة الطيبة، وإما من مستنقع ضلال الكلمة الخبيثة.

ومن معين هدى الكلمة الطيبة؛ نرتشف زلال البصيرة القرآنية الهادية، ومن مير- طعام - البصيرة القرآنية الهادية؛ تتشكل الرؤية الرسالية الثاقبة، ومن ضياء الرؤية الرسالية الثاقبة؛ نبصر الرأي والفكر الحصيف، وننتهج السلوك الإيماني السديد، ونتخذ الموقف المبدئي الرشيد، الذي يزداد صلابة وثباتاً أمام أصر وهوى الجبت، وأغلال وجور الطاغوت.

ومن مستنقع ضلال الكلمة الخبيثة؛ يصاب الإنسان بظلام الضبابية الشيطانية المضلة، ومن عمى الضبابية الشيطانية المضلة؛ يتلوث بالرؤية الجاهلية المغلقة، ومن لوث الرؤية الجاهلية المغلقة؛ تتقاذفه عواصف الآراء التائهة، وأعاصير الأفكار المزبدة،- ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء﴾- وتركسه في السلوك الجاهلي الهشيش، والموقف المصلحي السفيه، الذي يزداد ذلاً وتخاذلاً وعبودية وضلالاً أمام أصر وزخرفة الجبت، وأغلال وإغراء الطاغوت.

إن الإنسان يتعرض في هذه الحياة لدوامة من عواصف الأهواء والشهوات، وزوبعة من أعاصير الظَّلَمَة والطغاة، ولشتى وصنوف التحدي والضغوطات، في جميع الأبعاد والمجالات، من الداخل والخارج، ومن البعيد والقريب، ومن البغيض والحبيب، وبالترغيب والترهيب؛ فتارة يتعرض لترغيب المترفين، أو ترهيب المستكبرين، وتارة لخداع الفاسقين، أو بطش الظالمين، ومرة لإغراء الماجنين، أو كيد الكائدين؛ وأخرى لترغيب وترهيب هؤلاء مجتمعين؛ فالعصا والجزرة تطارده، ولا تغيب عن مخيلته.

والرؤية هي التي ستحدد موقف الإنسان من كل دواعي الهوى والشهوات، وترهيب الظلمة والطغاة، وضغوط وجميع مشاكل الحياة.

فمَنْ ينطلق من الكلمة الطيبة سيستقيم أمره، وتثبت قدمه، في الدنيا والآخرة؛ لأنها كلمة التوحيد التي جسدت كلمة العدل والقسط، وكلمة الصدق والأمانة، والإخلاص والرزانة، والخير والمحبة، والتقوى والرضوان.

ومَنْ ينطلق من ضلال الكلمة الخبيثة سيرتكس أمره، وتزل قدمه؛ لأنها كلمة الكفر الذي استحوذت على قلب الظالم الذي يعتدي على نفسه والآخرين، الذي أسس حياته على شفا جرف هار من كلمة النفاق والدجل، والكذب والتزوير، والخيانة والزمانة، والحقد الأعمى، والجهل المستعصي، والحمية الجاهلية، والعصبية الشيطانية، والحزبية العمياء، فانهار به في جهنم. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ﴾.

إن القول الثابت هو الفكر الإسلامي الأصيل، والمعارف الإلهية الحقَّة، والقيم الرسالية النقية، والمبادئ السماوية العادلة، والسنن الكونية الحاكمة؛ التي لا تخضع لتصرمات الزمان، ولا لتبدلات المكان، ولا لتقلبات الأحوال، ولا لتغيرات الظروف، ولا لتحولات الأشخاص، فضلا عن المصالح والأهواء والشهوات والنزوات؛ وهو البرهان الناصع، والدليل القاطع، والبصيرة الكاشفة، والحجة البالغة؛ وهو الكلمة الطيبة التي تهدينا إلى البصيرة القرآنية التي تغذينا بالرؤية الرسالية التي تمكننا من الانتصار لله والحق الذي يُثبِتُ اللهُ به أقدامنا في الدنيا بالصبر على الأذى في جنب الله، والاستقامة على طريق الهدى، وتبليغ رسالات الله، ولا تأخذنا في الله لومة لائم؛ ويُثبِتُ اللهُ به أقدامنا في الآخرة على الصراط يوم تزل فيه الإقدام، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ فالقول الثابت - هو الانتصار لله والحق - الذي به وبسببه يُثبِتُ اللهُ الإنسانَ المؤمن في الدنيا على طريق هدى العقل، ووحي السماء، وجهاد النفس، واجتناب الطاغوت، ومدافعة الاستبداد الإقليمي، ومقاومة الاستكبار الدولي؛ ويثبته في الآخرة على الصراط حتى لا يهوي في نار جهنم.

وفي المقابل هناك الزيغ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وهو الفكر الجاهلي، والمعارف الشيطانية، والقيم البشرية، والمبادئ الأرضية، والسنن الطاغوتية، وهو فكر المصالح، ومعارف الأهواء، وقيم الشهوات، ومبادئ النزوات، وسنن المضلات؛ وهو مغلول بالزمان، ومقيد بالمكان، ومأسور بالأحوال، ومكبل بالظروف، ومحكوم بالأشخاص؛ فكل ظالم لغيره - من حكام الجور والظلم والطغيان، ومن علماء الفسق والتزوير والبهتان - بالعدوان أو التجهيل؛ وكل ظالم لنفسه - من الأتباع وهم عبدت الطاغوت، وعبدت الأحبار - بالعصيان أو التقليد؛ لا ينطق إلا من دود بطنه سُقماً ومرضاً، ولا يتكلم إلا من خرء فضلاته نتنة وعفونة.

إن هؤلاء الظالمين لأنفسهم أو لغيرهم لا يثبتون على منهج إلا منهج الكذب والدجل، وتزوير الحقائق، وخداع الناس، وتجهيل المجتمع، وبهتان المؤمنين المجاهدين، والغرور بالنفس، واٍلإستكبار على المستضعفين. ولا يستقيمون على شريعة إلا شريعة الظلم والعدوان، والجور والطغيان، والفسوق والنفاق، والضلال والكفر والإلحاد. فهم يتقلبون على بطونهم، ويتنفسون من مخارجهم، منكوسون أين ما حلوا أو ارتحلوا؛ فهم يتخبطون من مس الشيطان، ويعيشون الحيرة والتَّيَهان، والضياع والهجران، والقلق والخوف والخفقان، والذل والخزي والمهانة والخذلان، ولن يهتدوا السبيل إلا سبيل جهنم فمصيرهم إلى النار وبئس المصير.

إن رؤية الإنسان هي التي تملي عليه وتحدد له منطقه الفكري ومذهبه العقائدي وموقفه السياسي ومنهجه الاقتصادي وسلوكه الاجتماعي وصوته الإعلامي؛ وهي التي تشكل عقد المنظومة والمبادئ والقيم والأهداف والأسس والأساليب لكل تلك المجالات والأبعاد.

وموقف الإنسان هو الذي يكشف حقيقته ويحدد مقامه الذي يستحقه في قمة الجبل وفي رأس الهرم أو في حضيض الوادي وفي ذيل القائمة، أو في موقع من المواقع بينهما.

والكلمة الطيبة والقول الثابت يعرج بالإنسان إلى قمة الجبل، ويسمو به إلى رأس الهرم، ويعيش في حضيرة القدس وبستان الاستقامة وجنَّة الثبات، والكلمة الخبيثة والقول الباطل يهوي به إلى حضيض الوادي، ويركسه في ذيل القائمة، ويعيش في مستنقع الرذيلة ووحل النكوص وظلمة التراجع والارتداد. وضغث الكلمة وخليط القول يجعله في موقع بين القمة والحضيض، والرأس والذيل؛ تحدده النسبة من الكلمة والقول، ويعيش الخليط من الصعود والهبوط والسعادة والشقاء.

العذراء الطاهرة
10-03-2008, 05:38 PM
يسلمو عذورة غناتي